ابن الجوزي
555
كتاب ذم الهوى
الحال التي هو فيها ، والرجل يموت فتفضّل بعيادته . فقال لي : واللّه ما أقدر على ذلك ، فلا تكلّفني هذا . فقلت : لابد من ذلك فليس عليك فيه شيء ، وإنما هي عيادة مريض . قال : ولم أزل به حتى أجاب . فقلت له : فقم الآن . فقال : لست واللّه أفعل ولكن غدا . فقلت له : ولا خلف ؟ قال : نعم . فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده بعد تأبّيه فسرّ بذلك وارتاحت نفسه ، فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له : الوعد . قال : فوجم وقال : واللّه لقد تحملني على خطة صعبة عليّ وما أدري كيف أطيق ذلك . قال : فقلت له : لابد أن تفي بوعدك لي ، قال : فأخذ رداءه ونهض معي راجلا ، قال : فلما أتينا منزل أحمد بن كليب وكان يسكن في درب طويل ، وتوسّط الزقاق وقف واحمرّ وخجل ، وقال لي : يا سيدي الساعة واللّه أموت وما أستطيع نقل قدمي ولا أستطيع أن أعرض هذا على نفسي . فقلت : لا تفعل ، بعد أن بلغت المنزل تنصرف ؟ قال : لا سبيل إلى ذلك واللّه البتة . قال : ورجع هاربا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزّق الرداء ، وبقيت قطعة منه في يدي لشدة إمساكي له ، ومضى ولم أدركه . فرجعت ودخلت على أحمد ابن كليب قال : وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الزقاق مبشّرا . قال : فلما رآني تغير وجهه وقال : وأين أبو الحسن ؟ قال : فأخبرته بالقصة ، فاستحال من وقته ، واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع . فاستبشعت الحال وجعلت أتوجع وقمت . قال : فثاب إليه ذهنه وقال لي : يا أبا عبد اللّه ، قلت : نعم . قال : اسمع مني واحفظ عني ثم أنشأ يقول : أسلم يا راحة العليل * رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي * من رحمة الخالق الجليل